تفاصيل الانتهاك:
في سياق الانتهاكات المتواصلة التي تستهدف الأراضي الزراعية في القرى الفلسطينية، شهدت قرية دير عمار بتاريخ 5/4/2026 اعتداءً جديداً تمثل في قيام مجموعة من المستعمرين بتجريف قطعة أرض زراعية في منطقة "عين أيوب"، تبلغ مساحتها نحو 4 دونمات، وقد أسفر هذا الاعتداء عن اقتلاع 67 شجرة مثمرة، يقدّر عمرها بحوالي 65 عاماً، حيث جرى القضاء عليها بشكل كامل، الأمر الذي أدى إلى خسارة بيئية وزراعية فادحة.
ويأتي هذا الاعتداء في إطار محاولات توسيع النشاط الاستعماري عبر شق طرق تخدم البؤر الاستيطانية القائمة في المنطقة، على حساب الأراضي الزراعية الفلسطينية، وقد انعكس هذا الفعل بشكل مباشر على حياة المزارعين، من خلال حرمانهم من مصدر رزقهم الأساسي، وتقويض ارتباطهم بأرضهم، فضلاً عن الآثار البيئية السلبية الناتجة عن تدمير الغطاء النباتي وتدهور التربة في الموقع المستهدف.
وتعود ملكية الأراضي للمزارع موسى محمد بدحة، حيث يروي المزارع موسى محمد بدحة، بمرارةٍ يملؤها الألم، تفاصيل ما تعرّضت له أرضه في منطقة "بئر أيوب"، حيث قام المستوطنون بتجريف أربعة دونمات يملكها، واقتلاع 67 شجرة زيتون مثمرة يزيد عمرها عن 65 عاماً، كانت تشكّل مصدر رزقه الأساسي وامتداداً لتاريخه مع الأرض. يقول موسى إن ما حدث لم يكن مجرد خسارة زراعية، بل اقتلاع لجزء من حياته، حيث دُمّرت الأشجار بالكامل، وكأن سنوات طويلة من التعب والعناية قد مُسحت في لحظات.
ويضيف: أن اعتداءات المستوطنين لم تتوقف عند حدود الأرض، بل طالت حياته اليومية، إذ يؤكد أنه لم يتمكن من الوصول إلى أرضه أو أداء الصلاة فيها منذ نحو عامين، نتيجة تواجد البؤر الاستيطانية والتضييق المستمر في المنطقة، ويشير إلى أن هذه الظروف القاسية أثّرت بشكل مباشر على وضعه الاقتصادي، كونه المعيل الوحيد لأسرته، حيث كان يعتمد بشكل أساسي على محصول الزيتون في تأمين احتياجاتهم حيث كانت تنتج تلك الاشجار 12 تنكة زيت زيتون له.
ويختم بدحه إفادته بالتأكيد على أن ما جرى خلّف أضراراً جسيمة على كافة الأصعدة، من خسارة مصدر الدخل، إلى الشعور بالعجز أمام تكرار الاعتداءات، في ظل غياب القدرة على حماية الأرض أو استعادتها، الأمر الذي زاد من معاناته وأثقل كاهل أسرته.
هذا و قد شهدت منطقة "بئر أيوب" في أراضي قرية دير عمار سلسلة متواصلة من الانتهاكات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، نفذها المستعمرون وجيش الاحتلال على حد سواء، حيث طالت هذه الاعتداءات القطاع الزراعي بشكل مباشر من خلال قطع العشرات من أشجار الزيتون المثمرة، وتخريب الممتلكات الزراعية، إلى جانب إغلاق المنطقة أمام أصحابها الأصليين. كما شملت الانتهاكات تدمير الجدران الاستنادية التي تُعد عنصراً أساسياً في حماية التربة والمحافظة على استدامة الأراضي الزراعية. وتأتي هذه الإجراءات ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى التضييق على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم واستثمارها، الأمر الذي أثر سلباً على أكثر من 79 عائلة تقطن في قرية دير عمار، وقيّد قدرتهم على الاستفادة من مواردهم الزراعية، مما فاقم من أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.
وبحسب سجلات البحث الميداني، فقد أقدم مستعمرو بؤرة استيطانية أُقيمت في منطقة "بئر يعقوب" على فرض واقع ميداني جديد أسهم بشكل مباشر في خنق المنطقة والتضييق على المزارعين. وقد أدّى وجود هذه البؤرة إلى السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وإغلاق ما يقارب 600 دونم بشكل كامل، الأمر الذي حرم أصحابها من الوصول إليها أو استثمارها. كما تحوّلت هذه البؤرة إلى نقطة انطلاق لاعتداءات متكررة تستهدف الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون في محيطها، في إطار سياسة تهدف إلى فرض الهيمنة على الأرض وتقويض الوجود الزراعي الفلسطيني في تلك المنطقة.
الأثر البيئي لقطع 67 شجرة زيتون في قرية دير عمار:
يُشكّل قطع 67 شجرة زيتون معمّرة في قرية دير عمار خسارة بيئية جسيمة تتجاوز البعد الزراعي المباشر، إذ تُعدّ أشجار الزيتون من العناصر الأساسية في التوازن البيئي المحلي. فهذه الأشجار التي يقدّر عمرها بعشرات السنين كانت تسهم في تثبيت التربة والحد من انجرافها، خاصة في المناطق الجبلية، كما تعمل على تحسين خصوبة الأرض من خلال دورة طبيعية متكاملة تحفظ رطوبة التربة وتقلل من تدهورها.
إن تدمير هذا العدد من الأشجار يؤدي إلى فقدان غطاء نباتي مهم، مما يرفع من احتمالية تعرية التربة وزيادة تعرضها للتصحر التدريجي، إضافة إلى انخفاض القدرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي الإضرار بالتوازن المناخي المحلي. كما ينعكس ذلك سلبًا على التنوع الحيوي، حيث تعتمد العديد من الكائنات الحية الدقيقة والطيور والحشرات على هذه البيئة الزراعية المستقرة.
وبشكل عام، فإن هذا الاعتداء لا يقتصر على خسارة إنتاج زراعي فقط، بل يترك أثراً بيئياً ممتداً يضعف النظام البيئي الزراعي في المنطقة، ويؤدي إلى تدهور تدريجي في جودة الأرض واستدامتها على المدى الطويل.
التعقيب القانوني:
إن البيئة الفلسطينية عامةً تتعرض لانتهاكات بيئية عديدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ضاربة بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية والوطنية المتعلقة بحماية الحقوق البيئية، وإن الحق بالعيش في بيئة نظيفة وسليمة هو حق لصيق بالإنسان منذ الخليقة. ودائماً ما يحاول الاحتلال الظهور بمظهر الحريص على الشؤون الدولية البيئية على الرغم من توقيعها على اتفاقيات كبرى لحماية البيئة أبرزها اتفاقية بازل عام1989م واتفاقية روتردام عام2008م واتفاقية ستوكهولم2001م واتفاقية رامسار عام 1971م، وكذلك مواثيق جودة الهواء والمناخ ورغم ذلك تقوم بانتهاك جميع هذه المعاهدات دون محاسبة أو مراقبة.
بالإضافة إلى النصوص الخاصة بحق التمتع ببيئة نظيفة وسليمة لكل من يقع تحت الاحتلال العسكري بحسب القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، كالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول / ديسمبر 1966 في المادة (1) البند (2): "...لجميع الشعوب، سعياً وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة...".
ومما لا شك فيه أن الاعتداءات التي يقوم بها الجانب الإسرائيلي تخالف قوانين "دولة الاحتلال" قبل غيرها من القوانين، وبالرجوع إلى تفاصيل هذه الحالة نجد أن قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1977م وتعديلاته قد نص على أن التعدي على ممتلكات الغير لارتكاب جريمة فعل معاقب عليه بالقانون، وبقراءة المادة 452 من قانون العقوبات الإسرائيلي نجد أن القانون يخالف من يرتكب اعتداءً أو ضرراً للممتلكات سواء ( بئر ماء، بركة ماء، سد، جدار أو بوابة فيضان بركة، أو أشجار مزروعة، جسر، خزان أو صهريج ماء) يعاقب بالسجن عليه خمس سنوات.
كما أن المادة 447 من قانون العقوبات الاسرائيلي نصت على أنه:" من فعل أي من ذلك بقصد ترهيب مالك عقار أو إهانته أو مضايقته أو ارتكاب جريمة، عقوبته السجن سنتين:
(1) يدخل أو يعبر العقار؛ (2) بعد دخوله العقار بشكل قانوني، بقي هناك بشكل غير قانوني.
(ب) تُرتكب جريمة بموجب هذا القسم عندما يحمل الجاني سلاحًا ناريًا أو سلاحًا باردًا، عقوبته هي السجن أربع سنوات".
وبقراءة نص المادتين نجد بأن قانون العقوبات الإسرائيلي جرم مجرد دخول أي شخص بدون وجه حق إلى عقار ليس بعقاره بهدف الإهانة أو المضايقة أو الترهيب ويعاقب على ذلك الفعل سنتين، وتتضاعف العقوبة عندما يدخل المعتدي ويرتكب جريمة في عقار غيره باستخدام سلاح أو أداة حادة أو حتى الاعتداء الأراضي الزراعية من قطع وحرق وتخريب، وهذا ما تم تجريمه صراحةً في نص المادة 447 من قانون العقوبات الإسرائيلي آنف الذكر، كما يعاقب 5 سنوات لمن يتسبب بضرر للممتلكات المذكورة في المادة 452 وعليه فإن المعتدي " المستعمر" يجب أن تكون مخالفته مضاعفة الأولى بالدخول لعقار ليس بعقاره والثانية بالتعدي على الأشجار المزروعة وقطعها مما تسبب بضرر بيئي كما في حالة بيت دجن.
وعليه فإن المعتدي الإسرائيلي يخالف دون أي وجه حق ما جاء في القوانين والمعاهدات الدولية، وما جاء أيضاً في قوانين "دولته" الداخلية مخالفةً صريحة، وعليه لا بد على "القضاء الإسرائيلي" محاسبة ومعاقبة المستعمرين على هذه الأفعال بموجب نصوص قوانينهم وما جاء فيها. إلا أنه لا يوجد أي مسائلة قانونية للمعتدي من قبل القضاء الإسرائيلي. ولكن هذا لا ينفي حق أي إنسان على هذه الأرض أن يعيش في بيئة نظيفة وسليمة وآمنة من أي انتهاك واعتداء ضدها.