التفاصيل:
في منتصف شهر نيسان 2026 أقدم الاحتلال الإسرائيلي بشكل مفاجئ على إدخال أربع جرافات مدنية إسرائيلية إلى المنطقة المستهدفة في خربة السروج، حيث باشرت الآليات بأعمال تجريف واسعة النطاق تهدف إلى شق طريق عسكري واستيطاني جديد، يبدأ من جدار الضم والتوسع العنصري باتجاه الأراضي الزراعية الواقعة ضمن نطاق الاستهداف، حيث تمت أعمال شق الطرق دون أي إخطار رسمي من قبل الاحتلال بصفة أن تلك الأراضي التي يتم العمل فيها حالياً تصنف بأنها أراضي خزينة المملكة الأردنية الهاشمية.
وبحسب المعطيات الميدانية، لا يزال الطريق قيد الإنشاء حتى اللحظة – أي تاريخ إعداد التقرير، حيث تُقدم جرافات الاحتلال على قدم وساق بتجريف أجزاء من أراضي قرية العرقة، وقد أسفرت هذه الأعمال عن شق مقطع من الطريق على أراضٍ تعود ملكيتها لكل من: ورثة المرحوم أنيس علي صالح يحيى بمساحة تُقدّر بحوالي 200 متر مربع تعود لـ 5 أسر هم ورثة أنيس ( 35 فرداً منهم 13 إناث و7 أطفال) ، وورثة شريف علي صالح يحيى بمساحة تُقدّر بحوالي 340 متراً مربعاً تعود لـ 7 أسر (50 فرداً منهم 25 إناث و19 طفل)، إضافة إلى المزارع جبري شريف علي يحيى بمساحة تُقدّر بحوالي 340 متراً مربعاً تعود لعائلته المكونة من ( 9 أفراد من ضمنهم 5 إناث و2 أطفال)، في انتهاك واضح لحقوق الملكية الخاصة.
وبحسب ما هو واضح من أعمال التجريف فإنها تهدف إلى إنشاء شبكة طرق التفافية استعمارية في المنطقة، تُستخدم لغايات استيطانية واضحة بما يعزز من السيطرة الميدانية على المنطقة.
وتشير المؤشرات إلى أن هذا المشروع لا يقتصر على البنية التحتية فحسب، بل يُعد خطوة تمهيدية نحو فرض وقائع ميدانية جديدة تؤدي إلى عزل الأراضي الزراعية بشكل كامل، ومنع المزارعين من الوصول إليها أو الاقتراب منها لاحقاً، نظراً لوقوعها ضمن نطاق الطرق الالتفافية المخطط إنشاؤها.
وفي هذا السياق، أفاد عدد من المزارعين في المنطقة، استناداً إلى مشاهداتهم الميدانية، بأن قوات الاحتلال وجهت إليهم تحذيرات شفوية تتضمن ضرورة إزالة ما يملكونه من منشآت ومصالح زراعية في تلك المواقع، بذريعة أن أعمال شق الطريق تشكل مقدمة لمصادرة فعلية وشاملة للأراضي، بما فيها الأراضي التي سبق استصلاحها وتأهيلها ضمن مشاريع تنموية سابقة نفذها مركز أبحاث الأراضي.
وتعكس هذه التطورات تصعيداً واضحاً في سياسات السيطرة الميدانية على الأراضي الزراعية، عبر توظيف مشاريع الطرق كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا المحلية وفرض قيود دائمة على استخدام الأراضي من قبل أصحابها الأصليين.
وأكد المزارع ورئيس المجلس القروي في قرية العرقة، محمد نايف اليحيى لباحث المركز بالتالي:
((أن الأهالي تفاجأوا بقيام جرافات تابعة للاحتلال الإسرائيلي بالعمل في المنطقة بشكل مفاجئ ودون أي إخطار مسبق، حيث باشرت تلك الآليات بأعمال تجريف وشق طرق استيطانية تمتد داخل نطاق الأراضي الزراعية)).
وأوضح اليحيى:
((أن مسار الطريق الجديد يقع فعلياً بين القطع الزراعية التي تم تأهيلها واستصلاحها سابقاً من قبل مركز أبحاث الأراضي في عام 2012، الأمر الذي يؤدي إلى اختراق هذه الأراضي بشكل مباشر ويفتح المجال أمام عزلها لاحقاً عن أصحابها، بما يمهد عملياً للسيطرة عليها تدريجياً)).
وأشار إلى أن هذا الطريق، بحسب المعطيات الميدانية، يبدو أنه جزء من مخطط أوسع يهدف إلى فرض سيطرة كاملة على منطقة خربة السروج وتحويلها إلى منطقة خاضعة لهيمنة الاحتلال)).
وأضاف :
((أن هذه التطورات ستنعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي، حيث أن ما لا يقل عن 19 مزارعاً يعتمدون على تربية الثروة الحيوانية والزراعة في تلك المنطقة مهددون بفقدان مصدر رزقهم، إلى جانب أن جميع الأراضي التي تم استصلاحها ضمن مشاريع تنموية سابقة أصبحت اليوم ضمن دائرة الاستهداف المباشر نتيجة مسار الطريق الجديد)).
يُذكر أن عملية التجريف هذه تأتي بالقرب من مناطق تقع ضمن أراضٍ تم استصلاحها وتأهيلها سابقاً في العرقة من خلال مشروع نفذه مركز أبحاث الأراضي في عام 2012، يهدف إلى تحسين مستوى المعيشة في الضفة الغربية.
وقد شمل المشروع في حينه استصلاح ما يزيد عن 79 دونماً من الأراضي الزراعية، إضافة إلى تأهيل نحو 97 دونماً أخرى في المنطقة ذاتها، وذلك بهدف حماية الأراضي من التدهور، وتعزيز قدرتها الإنتاجية، ودعم الاستدامة الزراعية بما ينعكس إيجاباً على المجتمعات المحلية.
ورغم ذلك، تُصنّف هذه الأراضي من قبل سلطات الاحتلال ضمن ما يُعرف بـ“أراضي خزينة المملكة الأردنية الهاشمية”، وهو تصنيف يُستخدم في سياق إجراءات الاستيلاء أو تقييد الاستخدام، بما يضع هذه الأراضي في دائرة الاستهداف القانوني والإداري، رغم كونها أراضٍ مستغلة ومطورة زراعياً وممولة ضمن مشاريع تنموية دولية.
اعتداءات سابقة وثقها المركز:
جدير بالذكر بأن دائرة الاملاك الحكومية التابعة للادارة المدنية الاسرائيلية أصدرت تسعة أوامر عسكرية في الثالث من آذار 2025، والتي تتضمن إخلاء ما مجموعه نحو 291 دونماً من الأراضي الزراعية المزروعة بأشجار الزيتون المثمر، والتي تضم أيضاً غرفاً زراعية وآباراً لجمع المياه، حيث تحتوي هذه المساحات على ما يقارب 3300 شجرة زيتون مثمرة، إضافة إلى 7 آبار لجمع مياه الأمطار وجدران استنادية وعدد من المنشآت الزراعية البسيطة التي يستخدمها المزارعون في إدارة أراضيهم وخدمة الإنتاج الزراعي. للاطلاع على التقرير الصادر آنذاك " اضغط هنا". كما أنه أصدر أوامر أخرى في الحادي عشر من آذار 2025 تستهدف 66 دونماً أخرى مشجرة بـ 1070 شجرة أو شتلة زيتون، للمزيد راجع التقرير الصادر عن المركز آنذاك " اضغط هنا".
وجاءت هذه الإخطارات بذريعة ما يُعرف بـ“الاعتداء على الأراضي الحكومية” وفق التصنيف المعلن من قبل سلطات الاحتلال، حيث تم تحديد مهلة زمنية لا تتجاوز 45 يوماً لتنفيذ أوامر الإخلاء والإزالة، وإعادة الوضع في الأراضي إلى ما كان عليه سابقاً، الأمر الذي وضع المزارعين أمام تهديد مباشر بفقدان مصادر رزقهم الأساسية، وزاد من حالة عدم الاستقرار الزراعي في المنطقة، حيث نفذ الاحتلال ما ورد في تلك الاخطارات بشكل جزئي عبر قطع وتجريف 1400 شجرة في العاشر من أيلول 2025 ، راجع التقرير الثادر عن المركز آنذاك " اضغط هنا".
الأثر البيئي والزراعي
إن ما يقوم به الاحتلال من شق طريق استيطاني–عسكري جديد على أراضي قرية العرقة في منطقة خربة السروج ينعكس بشكل مباشر وخطير على المنظومة البيئية والزراعية في المنطقة. إذ يؤدي هذا التدخل إلى تقطيع أوصال الأراضي الزراعية وفصلها عن بعضها البعض، ما يعيق القدرة على استغلالها بشكل متواصل، ويُضعف الإنتاجية الزراعية للأراضي المتبقية.
كما أن عمليات التجريف الجارية تؤدي إلى تدمير التربة السطحية الخصبة التي تشكّل الأساس في استدامة الزراعة، إضافة إلى اقتلاع الأشجار المثمرة، وعلى رأسها أشجار الزيتون، التي تمثل مكوّناً أساسياً في النظام البيئي المحلي ومصدراً اقتصادياً رئيسياً للمزارعين. ويُتوقع أن يترتب على استمرار هذه الأعمال تراجع في التنوع الحيوي الزراعي، وتدهور في قدرة الأرض على التجدد والإنتاج على المدى المتوسط والبعيد.
كذلك، فإن تحويل المنطقة إلى مسار طرق التفافية عسكرية واستيطانية سيؤدي إلى إغلاق مساحات زراعية واسعة بشكل فعلي، ومنع الوصول إليها، ما يعني إخراجها تدريجياً من دائرة الإنتاج الزراعي وتحويلها إلى مناطق عازلة غير قابلة للاستثمار من قبل أصحابها الأصليين.
وفي الختام تندرج أعمال التجريف هذه ضمن سياسة تهدف إلى فرض السيطرة على الأراضي، وهو ما يُعد مخالفة صريحة لأحكام القانون الدولي الانساني ، لاسيما فيما يتعلق بـ حظر الاستيلاء على الممتلكات الخاصة وضرورة حماية الأراضي الزراعية في الأراضي المحتلة. كما أن إنشاء طرق لخدمة المستوطنات أو تغيير الطابع الجغرافي للأرض يُعد من الممارسات التي تتعأرض مع اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والتي تنص على حماية السكان المدنيين وممتلكاتهم تحت الاحتلال.
إضافة إلى ذلك، فإن أي تغيير دائم في طبيعة استخدام الأرض أو نقل السيطرة الفعلية عليها لصالح قوة الاحتلال أو المستوطنين، قد يُشكل تغييراً غير مشروع في الوضع القانوني للأرض، ويقع ضمن إطار سياسات الاستيطان المحظورة بموجب القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وعليه، فإن ما يجري في خربة السروج لا يقتصر على كونه تدخلاً ميدانياً، بل يمتد ليشكل إشكالية قانونية دولية مرتبطة بحقوق الملكية، وحماية الموارد الطبيعية، وضمان استمرار حياة المجتمعات الزراعية المحلية.
خربة السروج:
تُعد منطقة خربة السروج، الواقعة إلى الغرب من قرية العرقة جنوب غرب محافظة جنين، من المناطق ذات الأهمية البيئية والزراعية البارزة، حيث تتميز بتنوع بيئي لافت وخصوبة في الأراضي الزراعية، الأمر الذي جعلها على مرّ العقود إحدى المناطق الزراعية الفاعلة في إنتاج المحاصيل، ولا سيما زراعة أشجار الزيتون، إضافة إلى احتضانها لعدد من المشاريع الزراعية الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل مصدر دخل أساسي لعدد كبير من العائلات في قرية العرقة وبلدة اليامون المجاورة.
وتحمل هذه المنطقة طابعاً تاريخياً وزراعياً يعكس جزءاً أصيلاً من الهوية الفلسطينية الريفية، إذ ترتبط الأرض فيها بالنشاط الزراعي التقليدي المستمر، ما يعزز من قيمتها البيئية والاقتصادية في آن واحد، باعتبارها منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الاستغلال الزراعي للأراضي.
إلا أن هذه الخصوصية البيئية والزراعية تعرضت لتأثيرات سلبية جوهرية منذ عام 2000، عقب إقامة جدار الفصل العنصري على أراضي القرية، الأمر الذي أدى إلى عزل أجزاء واسعة من أراضي خربة السروج عن أصحابها، وإحداث تقطيع جغرافي في النسيج الزراعي، ما ترتب عليه أضرار مباشرة على الإنتاج الزراعي وعلى قدرة المزارعين في الوصول إلى أراضيهم واستثمارها بشكل طبيعي.
مشروع: حماية الحقوق البيئية الفلسطينية في مناطق "ج" SPERAC IV - GFFO
Disclaimer: The views and opinions expressed in this report are those of Land Research Center and do not necessarily reflect the views or positions of the project donor; the Norwegian Refugee Council.
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا التقرير هي آراء ووجهات نظر مركز أبحاث الأراضي ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو مواقف الجهة المانحة للمشروع؛ المجلس النرويجي. للاجئين