تفاصيل الإنتهاك:
شرع المستعمرون في مطلع شهر أيار من العام 2026، بأعمال تجريف واسعة النطاق على أراضي بلدة عرابة الواقعة شمال محافظة جنين، وتحديداً في الجهة الشمالية من البلدة ضمن المنطقة المعروفة باسم “النصبة”، وذلك في الحوض رقم (214) والحوض رقم (217) من أراضي البلدة.
وبحسب المعطيات الميدانية، فقد أقدم المستعمرون على إدخال أربع جرافات مدنية تابعة لشركات استيطانية خاصة إلى الموقع المستهدف، تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث باشرت تلك الآليات بأعمال شق شبكة من الطرق الاستيطانية الجديدة داخل منطقة جبلية واسعة، إضافة إلى إنشاء تفرعات مرتبطة بها، في خطوة تشير إلى البدء الفعلي بتهيئة بنية تحتية استعمارية متكاملة في الموقع.
وتُظهر طبيعة الأعمال المنفذة أن الهدف يتجاوز مجرد فتح طرق زراعية أو ممرات مؤقتة، إذ إن نمط التجريف واتساع المسارات وشكل التفرعات المنفذة يعكس توجهاً واضحاً لإقامة مخطط استيطاني جديد، قد يشمل إنشاء بؤرة استعمارية أو مخيم استيطاني دائم فوق أراضي البلدة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأراضي المستهدفة تُصنّف، وفق السجلات الرسمية وأوراق التسوية التاريخية، ضمن أراضي خزينة المملكة الأردنية الهاشمية، وتبلغ مساحة المنطقة الجبلية المستهدفة قرابة 185 دونماً، وهي أراضٍ ذات أهمية جغرافية وزراعية وبيئية حساسة، تشكل امتداداً طبيعياً لأراضي البلدة الشمالية.
يُذكر أنه وبحسب السجلات الرسمية الخاصة ببلدية عرابة، فإن الأراضي المستهدفة والمصنفة ضمن أراضي خزينة المملكة الأردنية الهاشمية، جرى تضمينها وتأجيرها بصورة قانونية لعدد من المزارعين الفلسطينيين خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 1953 – 1960، وذلك بموجب عقود إيجار واستئجار رسمية ومعتمدة.
وبحسب الوثائق المتوفرة، فإن المستأجرين الأصليين لتلك الأراضي هم:
ويُشكّل ورثة هذه العائلات اليوم ما مجموعه 32 عائلة فلسطينية، يبلغ عدد أفرادها نحو 127 فرداً، من بينهم 60 من الإناث و32 طفلاً، غالبيتهم خارج البلاد ، حيث كانت تعتمد هذه العائلات بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأراضي المستهدفة باعتبارها جزءاً من الامتداد التاريخي والاقتصادي والاجتماعي لها.
ويعكس الاستهداف الحالي للأراضي محاولة واضحة لفرض وقائع استعمارية جديدة على حساب حقوق تاريخية موثقة تعود لعقود طويلة، الأمر الذي يهدد مستقبل عشرات العائلات الفلسطينية، ويعمّق من حالة انعدام الأمن الزراعي والاجتماعي، خاصة في ظل التوسع الاستيطاني المتسارع في المنطقة الشمالية من البلدة.
كما يُبرز هذا الواقع البعد الإنساني الخطير للانتهاك، إذ لا يقتصر الأمر على مجرد السيطرة على الأرض، بل يمتد ليشمل تهديد الاستقرار المعيشي والاجتماعي للعائلات المالكة والمنتفعة، وتقويض علاقتها التاريخية بالأرض كمصدر للرزق والهوية والانتماء الوطني.
إفادة ميدانية – شهادة أحد الورثة المتضررين
أفاد المزارع السيد محمد أحمد الاشقر عريدي، وهو أحد ورثة الأراضي المستهدفة لباحث مركز أبحاث الأراضي بالتالي:
" تفاجئنا مطلع شهر أيار 2026 بقيام عدد من الجرافات التابعة للاحتلال الإسرائيلي بالدخول إلى المنطقة دون أي إخطار مسبق أو أمر عسكري رسمي، وذلك تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال وبمرافقة المستعمرين، حيث باشرت الآليات أعمال شق طرق استعمارية في منطقة جبل “النصبة”، وهي تلة كبيرة كانت تُستخدم تاريخياً في الزراعة، خصوصاً المحاصيل الحقلية وأشجار اللوزيات، وكانت تشكّل مصدراً أساسياً للدخل لعدد كبير من العائلات الفلسطيني"ة.
وبحسب الإفادة:
"فقد تم شق طريق رئيسي وعدة طرق فرعية على امتداد الجبل، بطول يقارب 1900 متر وبعرض يصل إلى نحو 6 أمتار، وذلك بطريقة عشوائية وبتحكم كامل من قوات الاحتلال، التي قامت أيضاً بمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو حتى التواجد في محيطها، مع فرض طوق أمني مشدد في المنطقة.
وأشار الشاهد إلى أن هذه الأعمال تمهّد بشكل واضح لإنشاء منطقة استعمارية جديدة، يُرجّح أن تكون ذات طابع زراعي استيطاني، في إطار مخطط يهدف إلى فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة على الأرض.
كما أوضح:
أن خطورة هذا المشروع لا تقتصر على مساحة التجريف الحالية، بل تمتد لتشمل تهديداً استراتيجياً لبلدة عرابة بأكملها، إذ إن جبل “النصبة” يشكّل امتداداً طبيعياً لأراضي البلدة، ويطل على السهول الزراعية التي تبلغ مساحتها قرابة 3000 دونم، ما يجعل السيطرة عليه عاملاً حاسماً في التحكم بمصير الأراضي الزراعية المحيطة.
وأضاف:
أن الموقع المستهدف يبعد نحو 400 متر فقط عن معسكر عرابة، الذي يشهد بدوره أعمال تطوير عسكرية وإقامة أبراج مراقبة، الأمر الذي يعزز المخاوف من تكامل وظيفي بين النشاط الاستيطاني والعسكري في المنطقة، بما يؤدي إلى تضييق الخناق الجغرافي على البلدة من عدة اتجاهات.
وأكد في إفادته:
أن السيطرة على هذه الأراضي تعني عملياً فقدان أهالي المنطقة من حقهم في استخدامها الزراعي، وحرمانهم من مصدر رزقهم التاريخي الذي اعتمدت عليه أجيال متعاقبة، مشدداً على أن هذه الأرض تمثل جزءاً من الهوية الجماعية والارتباط التاريخي للعائلات المحلية بها، والتي عملت فيها لعقود طويلة وزودت الأسواق الفلسطينية بالمحاصيل الزراعية.
وبحسب المتابعة الميدانية الصادرة عن مركز أبحاث الأراضي، فإن بلدة عرابة تضم ما لا يقل عن 5000 دونم مصنفة ضمن أراضي خزينة المملكة الأردنية الهاشمية، وهي أراضٍ ذات أهمية زراعية واستراتيجية عالية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه المساحات باتت عرضة بشكل متزايد للضغط الاستيطاني والتوسع الاستعماري، سواء عبر المصادرة المباشرة أو من خلال فرض الوقائع على الأرض بواسطة البنية التحتية الاستيطانية وشبكات الطرق الالتفافية.
كما تبين أن مستعمرة " ميفو دوتان" القائمة على جزء كبير من أراضي البلدة من الجهة الغربية، تشكل محوراً رئيسياً في عملية التوسع الاستيطاني، بما يعزز من تطويق البلدة وقطع تواصلها الجغرافي مع محيطها الزراعي.
إضافة إلى ذلك، فإن بلدة عرابة أصبحت محاصرة فعلياً بشبكة من الطرق الالتفافية التي أنشأها المستعمرون والقوات القائمة بالاحتلال، الأمر الذي أدى إلى تقييد حركة السكان والوصول إلى أراضيهم الزراعية، وخلق حالة من العزل الجغرافي التدريجي.
ويحذر هذا الواقع من آثار خطيرة على النظام البيئي والزراعي المحلي، إذ يؤدي إلى تدمير الترابط الطبيعي للأراضي الزراعية، وتهديد التنوع الحيوي، إلى جانب ما يشكله من خطر مباشر على الوجود الفلسطيني الريفي في المنطقة، عبر تقويض مقومات الحياة الزراعية والاقتصادية والاجتماعية للسكان.
يؤدي تنفيذ شق الطرق الاستيطانية والتجريف في منطقة جبل النصبة ضمن أراضي بلدة عرابة إلى تدمير مباشر للغطاء النباتي الطبيعي والمحاصيل الزراعية، وإلى فقدان التربة السطحية وزيادة معدلات الانجراف والتصحر في المنطقة الجبلية. كما يسبب تقطيعاً في النظام البيئي المحلي، ويؤثر على التنوع الحيوي والحياة البرية، إضافة إلى عزل الأراضي الزراعية عن بعضها وقطع التواصل الطبيعي بين الحقول، بما يهدد الاستدامة الزراعية في المنطقة على المدى الطويل.
الأثر القانوني
تشكل أعمال شق الطرق الاستيطانية والتوسع في البنية التحتية الاستعمارية في الأراضي المحتلة انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة أو إحداث تغييرات دائمة في طابعها. كما تتعارض هذه الأعمال مع قرارات مجلس الأمن الدولي، خاصة القرار 2334، الذي أكد عدم شرعية الاستيطان واعتباره انتهاكاً للقانون الدولي، ويؤكد ذلك أن هذه الإجراءات ترقى إلى سياسة فرض وقائع على الأرض وضم فعلي تدريجي للأراضي الفلسطينية.