تفاصيل الإنتهاك:
أصدر قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية في 14 أيار 2026، أمراً عسكرياً جديداً تحت عنوان “أمر بشأن وضع اليد رقم (26/76)” يقضي بالاستيلاء على ما مجموعه 22 دونماً من أراضي بلدة قباطية الواقعة جنوب شرق محافظة جنين، وتحديداً في الجهة الشمالية من البلدة ضمن المنطقة المعروفة باسم “السهلات”.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن الأراضي المستهدفة تقع ضمن الحوض الطبيعي رقم (4) والحوض الطبيعي رقم (1) من أراضي البلدة، حيث جاء الأمر العسكري تحت ذريعة “وضع اليد لأغراض عسكرية وأمنية”، في حين تشير الوقائع الميدانية إلى أن الهدف الفعلي من القرار يتمثل في إنشاء بنية تحتية جديدة تخدم مشروعاً استعمارياً إسرائيلياً يهدف إلى إعادة بناء وتفعيل مستعمرة “كديم ”، التي كانت قد أخليت في العام 2005 ضمن خطة الانفصال الإسرائيلية.
ويُخشى، وفقاً للمتابعة الميدانية، أن يشكل هذا القرار مقدمة لعمليات توسع استعماري جديدة في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى إعادة السيطرة على الأراضي المحيطة بالمستعمرات المخلاة سابقاً وتحويلها إلى نقاط استعمارية دائمة، الأمر الذي يهدد المساحات الزراعية الفلسطينية ويقوض فرص التوسع العمراني والزراعي للسكان الفلسطينيين في البلدة.
ويُذكر أن الأراضي المهددة بالمصادرة تعود ملكيتها لعدد من العائلات الفلسطينية من بلدة قباطية، وتحديداً لورثة كل من المرحوم أحمد مصطفى أحمد أبو فرحة، والمرحوم عبد اللطيف أحمد أبو فرحة، والمرحوم محمد مصطفى سباعنة، حيث يُقدّر عدد أصحاب الحقوق الإرثية في هذه الأراضي بنحو 213 وريثاً، من بينهم 60 سيدة و37 طفلاً، الأمر الذي يعكس حجم الضرر الاجتماعي والاقتصادي المتوقع على عشرات الأسر الفلسطينية التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذه الأراضي كمصدر دخل ومعيشة أساسي.
أفاد المزارع حسن يوسف أبو فرحة، من سكان بلدة قباطية في محافظة جنين لباحث مركز أبحاث الأراضي بالتالي:
" إن الأراضي التي شملها قرار المصادرة تعود ملكيتها لعائلتي أبو فرحة والسباعنة، وهي أراضٍ مملوكة بشكل قانوني ورسمي بموجب أوراق “طابو” ووثائق ملكية أردنية، إضافة إلى أنها أراضٍ خضعت سابقاً لأعمال التسوية الرسمية".
وأضاف أبو فرحة:
" إن الأراضي المستهدفة كانت تستخدم على مدار سنوات طويلة في الزراعة الحقلية الموسمية، وتشكل مصدر رزق وإرثاً تاريخياً للعائلات المالكة، وأن أهمية هذه الأراضي لا تقتصر فقط على الجانب الزراعي، بل تمتد أيضاً إلى موقعها الجغرافي والاستراتيجي الهام، حيث تقع في منطقة تشكل حلقة وصل بين شمال محافظة جنين، خاصة منطقة الجلمة وبلدة عرانة ، مروراً ببلدة قباطية والقرى المجاورة".
وأكد أن مصادرة هذه الأراضي ستنعكس بشكل مباشر على مجمل الأراضي المحيطة، وليس فقط على المساحة التي شملها القرار العسكري، نتيجة ما قد يرافق المشروع الاستعماري من إغلاقات وقيود على الحركة والوصول، الأمر الذي يهدد مستقبل النشاط الزراعي في المنطقة بأكملها.
وأشار أبو فرحة إلى أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق المزارعين الفلسطينيين، خاصة أن الأراضي المستهدفة تعد جزءاً من التاريخ الزراعي والاجتماعي للعائلات المالكة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بهويتهم ووجودهم في المنطقة.
وبحسب المتابعة الميدانية لفريق مركز أبحاث الأراضي، فإن قرار الاستيلاء الأخير وما يتبعه من مخططات لإعادة إنشاء مستعمرة “قدّيم” يحمل في مضمونه تهديداً مباشراً وواسع النطاق لمئات الدونمات الزراعية المحيطة بالموقع المستهدف، إذ تشير التقديرات الميدانية إلى أن ما بين 400 – 500 دونم من الأراضي الفلسطينية أصبحت فعلياً ضمن دائرة التهديد المباشر.
يذكر أن غالبية هذه الأراضي مزروعة بأشجار الزيتون المثمرة والمعمرة، والتي تشكل أحد أهم الموارد الاقتصادية والزراعية للمزارعين الفلسطينيين في المنطقة، وتعود ملكيتها لمزارعين من بلدة قباطية، إضافة إلى مزارعين من القرى المجاورة، وعلى رأسها قرية عرانة وقرية دير غزالة، خاصة الأراضي الواقعة بمحاذاة المنطقة المستهدفة.
يشار أن إعادة إحياء المشروع الاستعماري في الموقع من شأنه أن يفرض واقعاً جغرافياً وأمنياً جديداً يؤدي إلى تضييق حركة تنقل المواطنين بين شمال محافظة جنين ووسطها، خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي الذي تقع فيه المنطقة المستهدفة، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان الفلسطينيين.
من جهته يعد الاستعماري المتوقع سيهدد بشكل مباشر المشاريع الزراعية والتنموية التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية في المنطقة، والتي أشرفت عليها مؤسسات زراعية وتنموية فلسطينية، من بينها الإغاثة الزراعية الفلسطينية واتحاد لجان العمل الزراعي، حيث شملت تلك المشاريع استصلاح أراضٍ زراعية، وتأهيل طرق زراعية، ودعم صمود المزارعين وتعزيز استدامة القطاع الزراعي الفلسطيني.
الأثر البيئي:
تشكل عملية الاستيلاء على الأراضي الزراعية في منطقة “السهلات” شمال بلدة قباطية تهديداً بيئياً خطيراً يطال النظام الزراعي والطبيعي في المنطقة، خاصة أن الأراضي المستهدفة وما يحيط بها تضم مئات الدونمات المزروعة بأشجار الزيتون المثمرة والمعمرة، والتي تعتبر جزءاً أساسياً من الغطاء النباتي الزراعي في محافظة جنين.
ومن المتوقع أن تؤدي أعمال التجريف وشق الطرق وإنشاء البنية التحتية الاستعمارية إلى اقتلاع أعداد كبيرة من الأشجار وتدمير التربة الزراعية الخصبة، الأمر الذي سيساهم في زيادة معدلات انجراف التربة وفقدان خصوبتها الطبيعية، إضافة إلى إحداث تغييرات جذرية في المشهد البيئي والزراعي للمنطقة.
كما أن التوسع الاستعماري في المنطقة سيؤثر بشكل مباشر على التنوع الحيوي، من خلال تدمير الموائل الطبيعية للطيور والكائنات الحية البرية، وتقليص المساحات الزراعية المفتوحة التي تشكل بيئة طبيعية متوازنة في المنطقة.
الأثر القانوني:
تُعدّ مصادرة الأراضي انتهاكاً واضحاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على سلطة الاحتلال الاستيلاء على الممتلكات الخاصة أو تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في الأراضي المحتلة، كما تمثل انتهاكاً لحق السكان الفلسطينيين في الملكية والتنمية والوصول إلى مواردهم الطبيعية.