تقع منطقة طاروسة، أو جبل طاروسة، إلى الغرب من بلدة دورا جنوب غرب محافظة الخليل، ضمن أراضٍ زراعية ورعوية تعود ملكيتها لمواطنين فلسطينيين من بلدتي دورا وبيت عوا، وتتمتع المنطقة بأهمية جغرافية واستراتيجية، إذ تشرف على الطريق الواصل بين مستعمرتي "أدورا" و"نيغوهوت"، ما جعلها هدفاً للمخططات الاستعمارية الإسرائيلية الرامية إلى تعزيز التواصل الجغرافي بين المستعمرات المقامة في جنوب غرب محافظة الخليل.
وقد شهد الموقع محاولة سابقة لإقامة نقطة استيطانية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي تحت اسم "متسبيه أماصيا"، إلا أنها لم تستمر، قبل أن يُعاد إحياء المشروع ضمن الخطط الاستيطانية الجديدة.
وفي إطار التوسع الاستعماري في الضفة الغربية، صادقت الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 29 أيار 2025 على إقامة 22 مستعمرة جديدة، كان من بينها مستعمرة جديدة في منطقة طاروسة حملت اسم "نحال دورون"، وذلك ضمن سياسة تهدف إلى تكريس السيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتوسيع الكتل الاستعمارية وربطها ببعضها البعض.
وبتاريخ 15 حزيران 2026، بدأ تنفيذ المشروع على أرض الواقع، حيث اقتحم مستعمرون، بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، منطقة جبل طاروسة، ونصبوا خيمة في الموقع، كما وضعوا لافتة تحمل اسم البؤرة الاستعمارية الجديدة "نحال دورون"، في خطوة اعتُبرت الإعلان الفعلي عن بدء إقامة البؤرة على أراضي البلدة.
وفي اليوم التالي، الموافق 16 حزيران 2026، شهد الموقع مراسم رسمية لوضع حجر الأساس للبؤرة الاستعمارية، بمشاركة وزير المالية الإسرائيلي "بتسلئيل سموتريتش" وعدد من الوزراء وقادة المستعمرين، وخلال الفعالية رُفع العلم الإسرائيلي فوق الموقع، وغُرست الأشجار، وأُعلن عن بدء تنفيذ المشروع باعتباره جزءاً من خطة حكومية لتوسيع الاستيطان في منطقة جنوب جبل الخليل، وربط المستعمرات القائمة ببعضها البعض.
وتواصلت الأعمال الميدانية بتاريخ 17 حزيران 2026، حيث شرعت سلطات الاحتلال والمستعمرون بتنفيذ أعمال تجريف وتسوية واسعة للأراضي الفلسطينية، وإجراء حفريات لتجهيز الموقع، إلى جانب إدخال كرفانات متنقلة وخزانات مياه ومعدات وآليات إنشائية، تمهيداً لإنشاء البنية التحتية الأساسية للبؤرة الاستعمارية الجديدة، وقد جرت هذه الأعمال تحت حماية قوات الاحتلال، في إطار فرض وقائع جديدة على الأرض وتحويل الموقع إلى تجمع استعماري دائم.
وأثارت هذه الإجراءات رفضاً واسعاً من قبل المواطنين الفلسطينيين، حيث نظم أهالي المنطقة بتاريخ 19 حزيران 2026 فعالية احتجاجية في جبل طاروسا رفضاً لإقامة البؤرة الاستعمارية والاستيلاء على أراضيهم، إلا أن قوات الاحتلال قمعت المشاركين باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، ما أدى إلى وقوع حالات اختناق وإصابات، في وقت استمرت فيه أعمال التجريف والتهيئة داخل الموقع.
ويُعد إنشاء بؤرة "نحال دورون" جزءاً من سياسة إسرائيلية أوسع لتوسيع الاستيطان في محافظة الخليل، إذ تهدف إلى فرض السيطرة على المزيد من الأراضي الزراعية والرعوية الفلسطينية، وتعزيز الترابط الجغرافي بين المستعمرات المقامة غرب الخليل، بما يحد من التوسع العمراني الفلسطيني ويُرسخ واقعًا استعماريًا جديدًا في المنطقة.
البؤرة الجديدة ستعمل على تضييق الخناق على التجمعات السكانية:
تقع البؤرة الاستعمارية الجديدة، إلى الغرب من مدينة دورا، ضمن منطقة تربط المدينة بالقرى والبلدات الواقعة إلى الغرب منها، ومنها دير سامت، بيت عوا، الكوم والمورق، كما تقع البؤرة بالقرب من شارع رئيسي جرى تأهيله وتوسعته حديثا من قبل بلدية دورا، ليصبح شريانا حيويا يربط مدينة دورا بهذه القرى والبلدات، ويسهّل حركة المواطنين وتنقلهم بينها.
وتكمن خطورة إقامة هذه البؤرة الاستعمارية في موقعها القريب من هذا الشارع الحيوي، إذ يخشى المواطنون والمراقبون في المنطقة من أن تقدم سلطات الاحتلال والمستعمرون على فرض قيود على استخدامه أو منع المواطنين من المرور عبره، ولا سيما أن الشارع أصبح يخدم أيضا سكان بلدة إذنا الواقعة إلى الشمال، بعد إغلاق مدخلها الرئيس منذ أكثر من عامين، ومن شأن أي قيود أو إجراءات عسكرية على هذا الطريق أن تؤثر بشكل مباشر في حركة عشرات آلاف المواطنين، وأن تزيد من صعوبة التنقل والوصول إلى أماكن السكن والعمل والخدمات.
ولا تقتصر الأضرار المحتملة للبؤرة الاستعمارية على تقييد حركة المواطنين، بل تمتد إلى التأثير على مستقبل التوسع السكاني والزراعي والعمراني في المنطقة الغربية من بلدة دورا والقرى والبلدات المحيطة بها. فإقامة البؤرة في هذه المنطقة من شأنها أن تفرض واقعا جغرافيا جديدا يحد من قدرة السكان على التوسع الطبيعي في أراضيهم، ويشكل عائقا أمام الامتداد العمراني والزراعي باتجاه المناطق الغربية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل التوسع العمراني الذي تشهده بلدات مثل دير سامت وبيت عوا باتجاه الشرق، وصولا إلى منطقة طاروسة، حيث أصبحت هذه المناطق تشكل امتدادا سكانيا وعمرانيا متصلا، ومن المتوقع أن تؤدي إقامة البؤرة الاستعمارية إلى الحد من هذا التوسع، من خلال السيطرة على مساحات من الأراضي المحيطة بها وفرض قيود على استخدامها، الأمر الذي قد يحرم أصحاب الأراضي من الاستفادة منها أو تطويرها مستقبلا.
كما أن وجود البؤرة في هذا الموقع قد يسهم في تقطيع أوصال التجمعات السكانية والبلدات الواقعة غرب دورا، ويحول دون استمرار التواصل الجغرافي والعمراني بينها، ومع مرور الوقت، قد تتحول البؤرة إلى نقطة ارتكاز للتوسع الاستعماري في المنطقة، بما يفتح المجال أمام إقامة مزيد من المنشآت الاستعمارية والطرق والبنى التحتية المرتبطة بها، ويزيد من تجزئة الأراضي الفلسطينية وعزل التجمعات السكانية عن بعضها البعض.
وبذلك، فإن الضرر الناتج عن إقامة البؤرة الاستعمارية "نحال درون" لا يقتصر على الاستيلاء المباشر على الأراضي أو تهديد أصحابها، وإنما يمتد ليشمل تعطيل حركة المواطنين، وإعاقة التواصل بين البلدات والقرى، والحد من التوسع السكاني والعمراني والزراعي، وتهديد استمرارية النسيج الجغرافي والاجتماعي للتجمعات الفلسطينية الواقعة غرب مدينة دورا، كما أن موقعها بالقرب من الطريق الرابط بين دورا وبلداتها الغربية يجعل منها عاملا إضافيا في إحكام السيطرة على المنطقة وفرض واقع جغرافي جديد قد تكون له آثار طويلة الأمد على السكان والأراضي.
وبناء عليه، فإن إقامة هذه البؤرة تمثل ضررا مباشرا وغير مباشر على الأراضي والسكان في المنطقة، نظرا لما قد تسببه من تقطيع للأراضي والتجمعات، وتقييد لحركة المواطنين، وإعاقة لعمليات التوسع والتطور الطبيعي للبلدات والقرى، فضلا عن مخاطر تحولها مستقبلا إلى قاعدة للتوسع الاستعماري ومصادرة مزيد من الأراضي المحيطة بها.
نقل منازل متنقلة الى موقع البؤرة:
وفي تطور لاحق ضمن إجراءات ترسيخ البؤرة الاستعمارية في الموقع، أقدم المستعمرون بتاريخ 20/8/2026 على نقل نحو ستة بيوت متنقلة إلى منطقة جبل طاروسة، مستخدمين شاحنات نقل قامت بإدخال الوحدات المتنقلة ووضعها داخل الموقع الذي سبق أن شهد أعمال تجريف وتسوية وتجهيز للبنية التحتية، ويبدو أن هذه الخطوة تأتي في إطار الانتقال من مرحلة التهيئة وإعداد الموقع إلى مرحلة إنشاء وحدات سكنية تمهيدًا لإسكان المستعمرين فيه وترسيخ وجود البؤرة الاستعمارية المسماة "نحال دورون" على الأرض.
وتشير عملية إدخال البيوت المتنقلة إلى تطور جديد في مسار إقامة البؤرة، بعد سلسلة الإجراءات التي بدأت بالإعلان عن الموقع ووضع حجر الأساس، ثم تنفيذ أعمال التجريف والتسوية وإدخال المعدات وخزانات المياه والكرفانات، ومن شأن البدء باستخدام الوحدات المتنقلة لأغراض السكن أن يسهم في تحويل الموقع تدريجيًا من نقطة استيطانية قيد الإنشاء إلى تجمع استعماري فعلي، بما يعزز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية في منطقة طاروسا ويهدد استخدامها الزراعي والرعوي ويفرض وقائع جديدة على الأرض.